أحمد ياسوف
437
دراسات فنيه في القرآن الكريم
والرّفث والدخول والنكاح ونحوهن ، فكنى بالمباشرة عن الجماع ، لما فيه من التقاء البشرتين » « 1 » . ويبدو أن مظهر العفة في الاكتفاء بالمس في دفاع مريم عليها السلام والمس جزئية أولية من عملية الزنى إذا أردنا الإطارين المكاني والزماني لها في حين تبدو المباشرة انفتاحا وسماحا كبيرا وتداخلا بين الجسدين ، لأن الأمر يتصل بالحب الزوجي ، وهو مناسب لحال الاشتياق بعد المنع في نهار أيام الصيام . وقد عبر عن العملية الجنسية في أول الآية بالرّفث وهو في الأصل مجرد الكلام : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [ البقرة : 187 ] ، ولا شك أن الكلام العاطفي مما يؤدي إلى ممارسة جنسية راقية ، فالكلام هنا يعني ترفع المعاشرة الزوجية والندب إلى الملاطفة في لحظات الغرام الزوجي ، فالقبل رسول كما يقول الحديث النبوي عن وجوب الملاطفة قبل قضاء الوطر . كذلك أومأ البيان القرآني إلى تحريم الاتصال الجنسي في الحج بالرفث ، وهو في الأصل الكلام المستقبح من ذكر الجماع ودواعيه ، وذلك لأن الكلام مدعاة إلى تحقيق الفعل كما أسلفنا ، قال عز وجل : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [ البقرة : 197 ] . وقال عز وجل عن المهر : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [ النساء : 21 ] ، فكلمة أفضى كناية عن الجماع ، وأصلها من الفضاء أي المكان الواسع ، وعلى هذا تدل الكلمة على الاتساع في العلاقة ، وربما رمزت إلى الجمع بين الاتساع النفسي حيث راحة الطرفين ، والاتساع الجسدي وهو الجماع ، فالإفضاء
--> ( 1 ) البرهان : 2 / 33 ، وانظر الإتقان : 2 / 102 .